الساعة تشير إلى الثامنة والنصف . محطة القطار ممتلئة كعادتها كل صباح وكل حين . أعين الناس تتثاءب . آثار الإرهاق بادية على الوجيه ، لا جديد .
كم ساعة الصباح هذه ثقيلة علي . أستيقظ حوالي السابعة والنصف ، آخذ حماماً دافئاً خاصةً في هذا الوقت من العام ، نوفمبر . في هذا الوقت تشعر أن فصل الشتاء قد حان فعلاً . بعدها أتناول إفطاراً خفيفاً يتكون من وعاء من الكورن فلكس والحليب البارد . أشرب نصف كأس من عصير البرتقال بعدها . أرتدي ملابسي وأحمل في يدي حقيبة اللاب توب مغادراً المنزل إلى أقرب محطة قطار ، محطة فيكتوريا الشهيرة في لندن ، حيث ترى الكثير من الموظفين يتناولون إفطارهم على عجل ، أو يقرؤون صحيفتهم حتى حين وصول القطار ، أو يشربون قهوتهم الصباحية ويقرؤون ويدخنون سيجارتهم بلذة في الكافيه الملاصق للمحطة .
أصل إلى المحطة تقريباً بين الساعة الثامنة والربع والثامنة والنصف . أحب أن آخذ إحتياطي ، فربما يتأخر القطار فأضطر أن أتأخر على العمل ، وهذا أمر قررتُ من يوم أن عُينت في هذه الشركة أن لا أفعله أبداً . يكفي ماحصل في وظيفتي السابقة عندما كنتُ على حافة الطرد والإبعاد بسبب كل الغيابات التي غبتها .
مشاكلي تلك الفترة مع سامية كانت قد وصلت القمة ، طفحت ، وطفح معها الكيل ، كيلها وكيلي . بعد الطلاق ، قدمتُ إستقالتي إلى رئيسي وقبلها على الفور . الملعون !
وبإستقالتي ، يبدو أني إستقلتُ عن الحياة الإجتماعية . إجتماعي مع الأصدقاء بدأ يقل ، وذلك ليس لأني لستُ حيواناً إجتماعياً – كما كان أستاذ مادة الإدارة الإستراتيجيه يطلق علي أيام المرحلة الجامعية - بل لأني إكتشفت أن أغلب علاقات الصداقة التي نشأت ، تكونت عندما كنتُ وسامية سويةً . أصبح من الصعب رؤيتهم بعد طلاقنا والإحتكاك بهم كما بالماضي . على الأقل لي !
فقط الوحيد الذي كنتُ أقابله بين الحين والأخرى ، فارس .أعتبره صديقي الوحيد .. أو الحقيقي إن أردت الصراحة .. وهو الذي ساعدني على الحصول على هذه الوظيفة الثانية .. وكتعبير عن إمتناني أهديته مجموعة منوعة من موسيقى الموسيقار العالمي ياني ، والذي يحبه كثيراً ، وتحبه سامية ، وهذا سبب وجيه أيضاً لإهدائه المجموعة أو إن شئت الدقة ، للتخلص منها .
الساعة تشير إلى التاسعة إلا ثلث ، موعد وصول القطار الصباحي ، حيث أركبه كل يوم للذهاب إلى عملي الذي يبدأ الساعة التاسعة والنصف . مدة رحلة القطار تقارب النصف ساعة ، حيث أصل إلى المحطة التي أريدها ، ثم أسير على قدمي لما يقارب العشر دقائق ، فأصل قبل بدء دوامي بعشرة دقائق ، تزيد أو تنقص ، لكنها كافية جداً لأن يراني مديري بصورة الموظف المجتهد أو المواظب .
لا أشعر بالإستيقاظ والنشاط إلا في رحلة القطار ، حيث أسمع موسيقاي المفضلة من الآيبود الذي أحمله دائماً ، وأتابع أو أبدأ قراءة رواية جديدة . الآن لي في الشركة مايقارب السبعة شهور ، وأنا على هذا الحال ، قرأت خلالها خمسة عشرة رواية ، منوعة بين عربية و إنجليزية .
في السابق كانت الرواية الواحدة تأخذ مني مايقارب الشهر لإتمامها ! وذلك ليس لأني قارئ سئ أو لا أملك الوقت الكافي . السبب أني كنتُ أقرأ في الحمام فقط ! ولا أملك أدنى فكرة أو تفسير لذلك ، وفي الحقيقة أنا غير مهتم . مايهم الآن أني تغيرت ، بت الآن أقرأ في الحمام والقطار أيضاً .
ذلك الصباح لم يكن مميزاً عن باقي الصباحات الأخرى . بل كان عادياً . فطوري وقطاري ، وحقيبة اللاب توب ، و مجموعة قصص قصيرة لروولد دال ، الأديب الإنجليزي ، بدأت قرائتها بداية ذلك الأسبوع . وضعت سماعات الآيبود في أذني وفتحتُ الكتاب للشروع في قراءة قصة جديدة . كان إسم القصة " الساعة الثالثة " ، بدايتها شدتني قليلاً . بين الحين والأخرى أُنزل الكتاب وألمح الناس من حولي كعادتي . في إحدى المرات رأيتُ فتاة واقفة . يبدو أنها لم تجد مقعداً شاغراً لها . نظرتُ حولي .. نعم .. كل الكراسي ممتلئة .
تبدو في الخامسة والعشرين من عمرها ، ولكن أتوقع أنها بين السابعة والعشرين والتاسعة والعشرين . جميلة . جمالها من النوع الهادئ . وهذا الذي أفضله . لا أحب الجمال الصارخ ، الذي يدعوك للنظر إليه وكأنه يعلن عن وجوده ، كأنه يقول " أنا هنا ... إنظر إلي " . جمالها من النوع البسيط ، الذي تتمتع بالنظر إليه خلسة بين الحين والأخرى ، لأنك لاتود أن تلفت الإنتباه إلى أنك تنظر إلى أحدهم . متوسطة الطول ، كتفاها صغيران ، عيونها كبيرة وساحرة . شعرها أسود منسدل على جانبي رأسها وعلى اعلى كتفيها . تحمل حقيبة حمراء ، تنتعل حذاء طويلاً ( بوتاً ) لونه بني . يبدو أنها أنيقة . يعجبني دوماً هذا النوع من النساء .
فكرتُ أن أعرض عليها مقعدي . ولكن فكرت باقي 9 محطات حتى أصل .. أريد أن أكمل قراءة القصة .. خاصة وأنها شدتني .. ويبدو أني سأكمل قراءتها عندما أصل إلى الشركة .. ولكنها شدتني أكثر .. ماذا أفعل ؟ .. هل أقوم من مكاني وأعرض عليها مقعدي لتجلس ؟ أم أومئ لها بعيني أو أشير لها بيدي ؟ المشكلة .. أنها لا تنظر إلى ناحيتي .. يبدو أنها مستغرقة في الإستماع إلى موسيقاها .. والنظر إلى نقطة غير مرئية في ذاك القطار الصباحي .. في الأخير نزلت هي من القطار بعد خمس محطات . عند نزولها أنزلت كتابي ونظرتُ إليها النظرة الأخيرة .
.......................................
صباح اليوم التالي ، وفي القطار . الساعة تشير إلى التاسعة إلا ربع . أقرأ قصة جديدة ، قصة الأمس " الساعة الثالثة " كانت رائعة جداً ، فيها فلسفة عميقة ، أسلوب الكاتب سلس و بسيط على غير عادته في قصصه . القصة تتكلم عن الوقت ، و عن علاقة الإنسان بالساعة أو بالزمن . وكيف أننا أصبحنا محدودين بأوقاتنا و أزماننا . وأننا دوماً لا نعطي لأنفسنا الوقت الكافي .
صباحها .. لمحتُ نفس الفتاة التي رأيتها واقفة في اليوم السابق ، ولكنها هذه المرة تجلس على أحد المقاعد ، تأكدت أنها هي بالنظر إليها عدة مرات . تحمل نفس الحقيبة ، وترتدي نفس ( البوت ) البني . ولكن جاكتها اليوم مختلف ، لونه رصاصي فاتح ، طويل بعض الشئ يصل إلى منصف ساقيها ، مما يعطيها بعض الجاذبية . أود أن أراها كيف تبدو وهي تقف . كنتُ أنزل كتابي كل محطة نمر بها حتى أرى أي محطة ستنزل ، وكيف تبدو وهي واقفة . نزلت أخيراً ، يبدو أنها نفس محطة اليوم السابق .. فكرتُ وقتها هل سأراها في اليوم التالي أيضاً ؟
.......................................
صباح جديد . الشمس تسطع على غير عادتها في هذا الوقت . خرجت مبكراً من المنزل على غير عادتي . وصلتُ محطة القطار الساعة الثامنة والربع . إنتظرتُ القطار لمدة 20 دقيقة ، ولكن كنتُ مستيقظاص ونشيطاً . أفكر .. هل سأراها اليوم أيضاً ؟ .
الشئ الجميل والغير متوقع ، أني رأيتها تقف بجانبي إنتظاراً للقطار قبل تحركه بخمس دقائق . كانت تقفُ على يميني . الناس كُثر . سأحاول أن أجلس بجانبها هذه المرة ، وهذا ماحدث .
كانت ترتدي نفس المعطف الرصاصي ، ولكن هذه المرة البوت كان أسوداً ، ويبدو أنه جديد وكأنه إشترته البارحة . هل لو تحدثتُ معها وقلت لك " أتوقع أن حذاءك جديد " ، ستستغرب من هذا الشخص الغريب وستفكر أنه مجنون ؟
جلستُ بجانبها . فكرتُ سأحاول أن أن أريها نفسي اليوم أكثر ، لعلها تحفظ شكلي . ربما المرة القادمة ستتحدث معي أو تتذكرني !
لمحتها تلتفتُ لي عدة مرات . إكتشفتُ أنها تنظر إلى الكتاب الذي أقرأه ، يبدو أنها قرأته أو قرأت لمؤلفه من قبل . لم تتكلم معي أو تسألني ، ولم أستغل هذه الفرصة كي أقول لها أي شئ . حتى نزلت من القطار .
.......................................
الاجمل ماحدث صبيحة اليوم التالي ، الساعة تشير إلى التاسعة إلا عشرة دقائق . ذاك اليوم لم ألمحها عندما كنتُ أنتظر القطار . دخلتُ القطار ووجدتُها تجلس وبجانبها كرسيين فارغيين ، يبدو أنها دخلت القطار من باب آخر . قررتُ الجلوس بجانبها . تقدمتُ نحوها . نظرت إلي بعينيها الساحرتين وإبتسمت . إبتسمتُ لها بدوري ، كانت إبتسامتي متأخرة بعض الشئ ، فلم أتوقع أن تبتسم لي ، مع أني كنتُ أتمنى هذا داخلي . يبدو أنها تتذكرني ، ومافعلته من قبل أتى بهذه النتيجة . حييتها بصباح الخير ، ردت علي وهي تبتسم أيضاً . من صوتها تأكدتُ أنها إمراة ، وليست فتاة صغيرة . أحسستُ بالتشوق أكثر كي أتحدث معها ولكن لم أقل لها ذاك اليوم غير أن الجو رائع هذه الأيام . أومأت برأسها مؤيدة ، ولم تقل أي شئ ولم أزد على ماقلت ، حتى نزلت من القطار . بعدها فتحتُ كتابي وشرعتُ في قراءة قصة جديدة ، ولكني سرعان ما أقفلت الكتاب ، جاءتني فكرة أن أكتب قصة بعنوان الساعة الثامنة والنصف . جلستُ أفكر بتفاصيل القصة ، ونويتُ أن أبدأ في كتابتها عندما أصل إلى الشركة .
.......................................
الساعة تشير إلى الثامنة والنصف . صباح جديد مختلف . لم أشرب عصير البرتقال كما تعودت كل يوم . فضلتُ شرب قهوة صباحية مع سيجارتي الأولى في مقهى ملاصق لمحطة فيكتوريا .
أفكر بالقصة التي أكتبها ، في اليوم السابق كتبتُ ومسحت ، وغيرت ، وعدلت . جاءتني كذا فكرة . فكرت أن أجعل القصة تتمحور حول فتاة القطار ، وبذلك ستكون قصة حقيقية ، وبالطبع سأضيف بعض التفاصيل الجميلة ، الخيالية لا مانع ، وسأكتب لها نهاية سعيدة ! ، قررتُ أن أجعلها بطلة القصة ، وسأصفها وصفاً دقيقاً ، لأني أراها دوماً في مخيلتي ، خاصةً إن أغمضتُ عيني . بإنتهاء هذا اليوم سينقضي أسبوع مختلف في حياتي . ولذا عزمتُ على أن أسألها ذاك الصباح الجميل المتفائل ، عن إسمها ، وعن عملها . لأنها كما تبدو لي ليست طالبة جامعية . ربما تعمل في مجال قريب من تخصصي ، وبذلك قد نتناقش عن عملنا في القطار . ربما سأسألها الخروج معي يوماً والإلتقاء في مطعم أو حانة أو أي مكان . أو ربما سأسألها أن نلتقي في اليوم نفسه ، لم لا ؟
أحتاج أن أغير من أسلوب حياتي . في السابق كنتُ أكره الروتين ، وربما لهذا السبب تزوجتُ سامية . فهي مجنونة كليةً . في يوم يكون مزاجها رائقاً فتعطيني فوق ما أطلب . في اليوم التالي يتغير مزاجها أو يتدهور – لافرق – وتغدو كائناً لا يطاق . وفي حالاتها تلك كنتُ دوماً أتسائل لم تزوجتها ، ولم خرقتُ عيني بإصبع يدي ؟
الآن إعتدت على الروتين لفترة ليست بالقصيرة . يبدو لي أني شختُ قبل أواني . ذاك الأسبوع شعرتُ أن هناك شيئاً ما أنتظره كل يوم . وأن كل يوم هو بداية جديدة لي . شعرتُ بحق أن أيامي تجددت معها . مع فتاة القطار .
ولذا كنتُ مصمماً أن أسألها عن إسمها ثم الخروج معي ، لعل وعسى ، فمن المحتمل أن ليس عندها صديق أو غير متزوجة ، فتوافق . نعم أعلم أنه أمر غريب أن أسألها الخروج بعد التقائنا في القطار – على الأقل بالنسبة لي - ، ولكن لم لا ؟ سأجرب حظي .
وقفتُ بين الناس ، منتظراً القطار ، ومتشوق لرؤيتها . ركبتُ القطار وجلست ، ووضعتُ كتابي على فخذي وورقاً أبيض لتكملة القصة . وضعت سماعتي الآي بود . وأخذتُ جولة سريعة بعيني بين الجالسين ، ولكني لم أرها . دققتُ مرة أخرى ، ولكن لم تكن موجودة . تحرك القطار ، ولم أجدها حتى بين الواقفين .
وصلتُ إلى الشركة ، وشرعتُ في إكمال كتابة القصة . آخ ، يبدو أني لن أراها في نهاية الأسبوع كما تمنيت . يجب علي المحاولة في الأسبوع المقبل .
.......................................
الساعة تشير إلى التاسعة والربع . اللعنة ! . اليوم بداية الأسبوع وأنا للتو إستيقظت ! كيف حدث هذا ؟ وكيف لم أستيقظ على صوت المنبه كل هذه المدة . سأتأخر جداً على الدوام . فكرتُ قليلاً وقررت أن لا أذهب . سأتعلل في الغد أني كنتُ مريضاً أو أي عذر . وسيقبل مديري على الأرجح ، فأنا لم أتغيب قط . هذه أول مرة .
خرجتُ في عطلة نهاية الأسبوع إلى السينما فقط ، مع فارس . كان قصة الفيلم تدور حول كوكب صدم الأرض ، فجرى طوفان كبير أغرق الجميع . ياللتعاسة . لا أستسيغ هذه القصص عادةً ، بعكس فارس الذي مدح حبكة الفيلم لمدة طويلة حتى ظننتُ أنه سيقول أود لو أعيش ماحصل في الفيلم على أرض الواقع !
.......................................
في اليوم التالي كنتُ في محطة القطار الساعة الثامنة والنصف . أنتظر القطار كعادتي . ربما سأراها اليوم . أحضِّر ماسأقول للمرة الاخيرة . إنتظرت وإنتظرت ، وركبت القطار ، ووصلت الشركة ، ولم تأتِ ... وهذا ماحصل أيضاً في اليوم الذي تلاه واليوم الذي تلاه ، وكل الأسبوع !
إنصرم الأسبوع ولم تأت ، ولم تظهر . يبدو أنها إختفت ، ولن أراها مرة أخرى .
يالي من أحمق .. لمَ لمْ أسألها قبلاً ؟! ، لم إنتظرتُ عدة أيام كي أحضِّر ما أقول لها ؟! ، الآن أشعر بالندم .
في كل يوم مضى ذاك الأسبوع ، شعرت بالندم والتعاسة . أصبحتُ أحضر إلى محطة القطار مبكراً ، فلا أتناول إفطاري في البيت كعادتي . لعل وعسى أن أراها تأخذ قطاراً آخر . أنتظر عند بوابة المحطة لعلي أراها تدخل ، أنتظر حتى اللحظة الأخيرة وأسرع إلى القطار كي لايفوتني .
ذهني شارد طوال الوقت . لم أقرأ إلا قصة واحدة فقط ! وأما قصتي فلم أكملها ، وصلت إلى النهاية السعيدة وتوقفت . كل مرة أغيرها أو أعدلها . يبدو أن السبب لأن نهاية قصتي الحقيقية لم تكتب لها النهاية التي تمنيت .
لمَ لمْ أسألها عن طبيعة عملها ؟! ربما تعمل في شركة مشهورة أو غير مشهورة – لافرق – لكني سأعرف عنوان الشركة ، وأذهب إليها وأنتظرها أو سأقول لها أني كنتُ ماراً بالصدفة ، فتذكرتُ أنها تعمل هنا ، أو سأخترع أي حجة لألتقيها مرة أخرى .
في هذا الوقت لا يبقى لي إلا الندم .. أتسائل في نفسي " لم أنا مهتم بها كل هذا الإهتمام ؟ " ، لا بد أن إنجذابي هذا له تفسير نفسي ، وإجابة مقنعة . أحب أن أحلل ردات فعلي ، وشعوري بين الحين والحين ، ولكني أكره أن أمنطق أفعالي دائماً ، وأجعل لها تفسير واضح . الغموض جزء من نفسي . هذا ما أشعر به دائماً . وربما لأن الغموض منذ البداية التف حول هذه الفتاة في عقلي ، لذلك أجد نفسي منجذباً إليها .
ماحدث في هذين الأسبوعين ، أعتقد سيغيرني في الأيام المقبلة . سأحاول أن أخرج من القوقعة التي سكنتها الشهور الماضية ، سأخرج مع صديقي فارس أكثر . سأتواصل مع أصدقاء سامية . سأحاول أن أخرج مع أصدقاء العمل ، مع أني تجنبتهم لفترة طويلة .. ربما يجب أن أعطي لنفسي الفرصة لإعادة إكتشاف نفسي .. سأذهب إلى السينما كل أسبوع ، ولن أدع إختيار الفيلم لفارس فقط .. سأعامل نفسي بمودة ومحبة وإهتمام أكبر .. وأما ماحصل مع فتاة القطار .. فقد تعلمتُ أن لا أتردد بعد الآن ، إن أدرتُ شيئاً ، سأبادر بفعله .. هكذا يجب أن أكون .. سأكمل قراءة القصص والروايات .. سأحاول أن أكتب قصصاً قصيرة .. و سأكمل القصة التي بدأتُ بكتابتها ، وسأجعلُ خاتمتها حزينة .. نعم حزينة .. فليست كل النهايات سعيدة .. أليس كذلك ؟
.......................................
الساعة تشير إلى الثامنة والنصف وخمس دقائق .. أحمل حقيبة اللاب توب ، واضعاً سماعتي الآيبود في أذني .. أنتظر قطار الصباح الذي سأركبه للتوجه إلى عملي .
كم ساعة الصباح هذه ثقيلة علي .. أعين الناس تتثاءب .. وكأن لياليهم يقضونها فقط في السهر ، وأما النوم ، فآخر ما يفكرون به ..
ركبتُ القطار .. إخترتُ مقعداً ، ومن حسن حظي فتاة جميلة كانت تجلس جواري ، نظرتُ إليها وإبتسمت .. إبتسمت لي .. حييتها بصباح الخير ، ردت علي التحية بإبتسامة أكبر .. بداية متفائلة ليوم جديد .
أخرجتُ كتابي ووضعته على فخذي ، وأخرجتُ بعض الأوراق البيضاء التي أستخدمها مسودة لكتاباتي . أريدُ أن أكتب قصة جديدة هذه المرة ، ربما تكونُ عن ماضي مع سامية ، ويكون لها عدة معاني مرتبطة بنفسي أو نفسيتي تلك الفترة . وأما قصتي الاولى فقد إنتهيتُ منها ، ومع أني كنتُ أرغب وقتها بإختيار خاتمة سعيدة لها إلا أني وجدتُ أني راضياً عنها ، وأكثر إقتناعاً ، بمجرد إنتهائي من كتابتها بالنهاية الحزينة .
فجأة دخلت .. لمحتها .. دقات قلبي تسارعت وكأني في مارثون للجري ، وللتو وصلت النهاية .. إنها هي .. هكذا أخذتُ أحدث نفسي .. دققتُ في ملاحمها .. إنها هي نفسها .. فتاة القطار .
مالعمل الآن ياترى ؟! .. أفكاري تلخبطت وتبعثرت .. هي الآن واقفة ، ترتدي نفس المعطف الرصاصي ، وتنتعل الحذاء البني العالي .. تنظرُ إلي .. يفترُ ثغرها عن إبتسامة كبيرة .. تأتي نحوي ، مسرعة في مشيتها .. أخذتُ أجمع أغراضي ، ووضعتُ أوراق الكتابة في حقيبة اللاب توب . جلست بجانبي في مقعد كان خالياً .. قالت لي :
- صباح الخير ..
رددتُ مستجمعاً ثقتي بنفسي :
- صباح الخير ..
- هل إفتقدتني ؟؟ .. قالتها ثم ضحكت بأدب .. يبدو أنها جريئة بعض الشئ ، فلم أتوقع سؤالها المباغت هذا .. إذن فهي تعرف أني لاحظتها جداً ذاك الأسبوع ، بل وأحست أني إفتقدتها .. ربما هي إفتقدتني أيضاً .. تبدو مرهقة قليلاً .. يبدو أنها كانت مريضة ولهذا تغيبت .
- إفتقدتك .. نعم . ( وكي لا يبدو جوابي غير مقنعاً من جهة أو متهوراً من جهة أخرى أضفت ) .. لأني كنتُ أراك كل صباح .. هل أنتِ بخير ؟
رأيتُ في يدها رباطاً للشعر ، جمعت شعرها ، ثم ربطته وقالت :
- نعم .. نعم .. أنا بخير .. كنتُ فقط في عطلة .. قضيتها في فرنسا عند جدتي .. كانت عطلة قصيرة للأسف .. لكني إستمتعتُ جداً .
- اها .. أنتي فرنسية إذن ؟
- لا .. لا .. أبي بريطاني وأنا كذلك .. هذه جدتي من جهة أمي .
- اها .. اها .. فهمت .. ( قلتها وأنا أبتسم ) .
تلا ذلك لحظة صمت .. فكرتُ يجب أن أقول لها كل مانويتُ أن أقوله فيما قبل .. الآن هو الوقت المناسب كي أسألها الخروج أو رقمها .. إذن سأسألها عن عملها .. جاءتني فكرة .. قلتُ :
- بالمناسبة .. ماإسمك ؟ .. إنه من الغريب أن أقول لك أني إفتقدتك ولا أعرف إسمك . أليس كذلك ؟
إبتسمت بخجل .. يبدو أنها نسيت أنها لاتعرف إسمي .
- إسمي .. جين .. المعذرة .
وفتحت حقيبتها الحمراء ، وأخرجت بطاقة من محفظتها ، ومدتها لي ، وقالت :
- وهذه بطاقتي .
تناولتُ البطاقة ، وفتحتُ محفظتي على الفور وأخرجتُ لها بطاقتي وأعطيتها .
- جين سميث .. يبدو أنه إسم انجليزي جداً لي . ( قلتها وأنا أبتسم ) .
ضحكت بشدة .. فهمتُ أنها ليست المرة الاولى التي تسمع فيها هذا التعليق .
- نعم .. صحيح .. هذه ليست المرة الأولى التي أسمع فيها هذا التعليق .
- وهذا ماظننته .
إبتسمت ، ثم تناولت بطاقتي ، وقرأت .. فجأة خُيل لي أنها نطت من مقعدها ، وأطلقت صرخة مفاجأة تعبيراً عن دهشتها أو شعورها بالمفاجأة . ثم وضعت يدها على فمها . ونظرت إلي وقالت :
- المعذرة .. المعذرة .. إنه شئ مفاجئ .. لم أتوقع . سكتت قليلاً ثم نظرت ناحية الشباك ، ثم قالت :
- حقاً .. إنه عالم صغير !!
تحمستُ قليلاً .. فكرت .. هل إسمي معروف لها .. أربما تعرف أحداً من عائلتي أو صديق لي ؟
- نعم إن العالم صغير .. لمَ ؟
بعد تردد قصير .. قالت لي :
- هل تعرف ريتشي .. أو ريتشارد هارسون ؟
- نعم أعرفه حق المعرفة بالطبع .. إنه مديري في الشركة التي أعمل بها . تفاجأت من سؤالها عن ريتشي .
- حقاً إن العالم صغير .. أتعرف ؟ .. إنه خطيبي .. واليوم كنتُ أنوي أن أذهب إلى مقر عمله كي نخرج للغداء معاً ، لقد إشتقتُ له طيلة الأسبوع الماضي .. ولذا سأجعل ذلك مفاجأة .. أرجوك لا تقل له !
- !!!!!!!!!!!!!!!! .
- لن تخبرهُ .. أليس كذلك ؟
- ...................
.......................................













